الشيخ محمد رشيد رضا

91

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أي وإذا قيل لمتبعي خطوات الشيطان ، الذين يقولون على اللّه بغير علم ولا برهان ، ( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ) قالوا : لا ، نحن لا نعرف ما انزل اللّه ، بل نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا ، وهو ما تقلدناه من سادتنا وكبراءنا ، وشيوخ علمائنا . لم يخاطب هؤلاء ببطلان ما هم عليه وتشنيعه خطابا لهم بل حكى عنهم حكاية بين فساد مذهبهم فيها ، كأنه أنزلهم منزلة من لا يفهم الخطاب ، ولا يعقل الحجج والدلائل كما بين ذلك بالتمثيل الآتي . ولو كان للمقلدين قلوب يفقهون بها لكانت هذه الحكاية كافية بأسلوبها لتنفيرهم من التقليد ، فإنهم في كل ملة وجيل يرغبون عن اتباع ما أنزل اللّه استئناسا بما ألفوه مما ألفوا آباءهم عليه ، وحسبك بهذا شناعة ، إذ العاقل لا يؤثر على ما أنزل اللّه تقليد أحد من الناس وإن كبر عقله وحسن سيره ، إذ ما من عاقل الا وهو عرضة للخطأ في فكره ، وما من مهتد الا ويحتمل أن يضل في بعض سيره ، فلا ثقة في الدين الا بما أنزل اللّه ، ولا معصوم الا من عصم اللّه ، فكيف يرغب العاقل عما أنزل اللّه إلى اتباع الاباء مع دعواه الايمان بالتنزيل ، على أنه لو لم يكن مؤمنا بالوحي لوجب أن ينفره عن التقليد قوله تعالى أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ فان هذا حجة عقلية لا تنقض أقول الهمزة للانكار والتعجب وهي داخلة على فعل حذف للعلم به من القرينة ولو للغاية لا تحتاج إلى جواب وجزاء . والتقدير أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في كل حال وفي كل شيء ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من عقائد الدين إذ يسلكون طريق العقل بالاستدلال على أن ما هم عليه من العقائد والعبادات حق ، ولا يهتدون في أحكامه وأعماله بوحي من اللّه جاءهم به رسول من عند اللّه ؟ أي حتى في تجردهم من دليلي العقل والنقل . هذا ما أفهمه وقال البيضاوي أي لو كان آباؤهم جهلة لا يفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم . وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر أو الاجتهاد وأما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما انه محق كالأنبياء والمجتهدين في الاحكام فهو في الحقيقة ليس بتقليد بل اتباع لما أنزل اللّه أهو نقله عنه الآلوسي بغير عزو ووصله بآية ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ